الضجيج الأردني

السبت 09 حزيران/يونيو 2018 10:12:06 صباحاً
  • 275مشاهدات :
بيار عقيقي
بيار عقيقي

الدور الأردني في مختلف مراحل أزمات الشرق الأوسط، خصوصاً بعد الحرب العراقية ـ الإيرانية (1980 ـ 1988)، ليس تفصيلاً. بلاد ذات موارد فقيرة، مقرونة بثلاثية الملك ـ الجيش ـ العشائر، والمدعومة بجهاز استخبارات قوي، تحوّلت إلى محطة انتظارٍ ومرحلةٍ انتقاليةٍ لمختلف دول الجوار المشتعلة. وبعد عقود من أداء أدوار ثانوية، لا رئيسية، بدا الأردن في صلب مصيره حالياً. وبدلاً من أن يكون صانع القرار أو مشاركاً في صنع القرار في دول الجوار، بات ساحةً مفتوحة للاضطراب الداخلي المتجدّد على خلفية الضرائب المفروضة على الأردنيين. 
أهمية الأردن جيوبيوليتيكياً أن انعكاس استقراره من عدمه مرتبط بدول الجوار، ففي الملف السوري، يرفض الأردن تحوّل الجنوب السوري المتاخم لحدوده الشمالية، إلى ساحةٍ شبيهة بالشمال السوري، ولا يرغب في الإقدام على أي خطوةٍ مماثلة للخطوة التركية التي دخلت قواتها الأراضي السورية شمالاً لضرب الوحدات الكردية فيها. ليس الأردن في هذا الوارد، ليس "لانتفاء العدو"، بل أيضاً لرغبته الدفينة بأن يتمّ الاتفاق بين النظام السوري والمعارضة على تسليم معبر نصيب الحدودي للنظام حلّا يمهّد لفتح أبواب الحركة التجارية بصورة مكثّفة. حتى أن بطء عمل غرفة "الموك" انضوى في سياق الدعم غير المباشر لقوات النظام تحديداً. 
على الحدود الشرقية للأردن، كان تشابك النيران بين القوات العراقية و"داعش" في محافظة الأنبار، وتحديداً في معركة الرمادي، مصدر قلق لعمّان، خشيةً من تحوّل حدودها إلى مراكز مفتوحة لـ"داعش"، كما حصل في سوريةبعد إطاحة معبري القائم والبوكمال إبّان تمدّد التنظيم عام 2014. دعم الأردن أيضاً تحرّك الشرعية العراقية، وإن كانت برفقتها مليشيات "الحشد الشعبي" لتأمين الحدود العراقية ـ الأردنية. في نهاية المطاف، لا يريد الأردن تلقف كرة نارٍ ملتهبة. 
على الحدود مع السعودية، استبشر الأردنيون خيراً من مشروع "نيوم" الذي أعلن عنه ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، والمتضمن إنشاء منطقة نموذجية على مساحة 26500 كيلومترا مربّعا، تستفيد منه السعودية والأردن ومصر، في عام 2025 في المبدأ. يراهن الأردن على مشروعٍ طويل الأمد، يسمح له بالتخلّص من أكلاف قلّة الموارد المُتاحة. إلا أن العلاقة حالياً مع السعودية ليست على ما يرام. فـ"صفقة القرن" باتت عنواناً لخلافٍ أردني ـ سعودي مستترّ، خصوصاً أن الصفقة، بحسب الأميركيين، تتضمن إسقاط حق العودة للاجئين الفلسطينيين، فضلاً عن أنها تقتطع أجزاء واسعة من الأراضي الفلسطينية الحالية لصالح الاحتلال الإسرائيلي. يقضي الدور الأردني هنا، وفقاً للخطة، القبول بكل ما ينجم عنها، سواء عبر تدفق مزيد من اللاجئين، أو في إنهاء الإشراف الأردني على "المقدسات الدينية" في القدس المحتلة، وتحويلها إلى سيادة الاحتلال الإسرائيلي. الخلاف مع السعودية مكلف مادياً للأردن، خصوصاً إذا ما تطوّر لاحقاً، على الرغم من استبعاد الأمر حالياً. 
من الجهة الغربية، وفي العلاقة مع الاسرائيليين، بات الأردن على قناعة بأن الاسرائيلي لا يرى في الأردن أكثر من "مخيّم كبير للفلسطينيين"، وهو ما تجلّى أثناء محاولة اغتيال رئيس المكتب السياسي السابق لحركة حماس، خالد مشعل، عام 1997، ثم اغتيال القاضي رائد زعيتر عام 2014، ومقتل محمد الجواودة وبشار الحمارنة، في السفارة الإسرائيلية في عمّان العام الماضي. أظهر الإسرائيليون خلال تلك المحطات عدم اكتراثهم بالأردن. 
هل يمكن للأردن الخروج من أزمته المالية؟ في الواقع، أصبح أمام البلاد حلّ من اثنين عملياً. إما تقديم برنامج اقتصادي إصلاحي شامل، وهو مطلب القواعد الشعبية في الأردن، للخروج من منطق الهبات والمعونات، أو الحصول على مزيد من المساعدات والمعونات، نظير قبولهم بأي حلّ على حسابهم في "صفقة القرن". وهو ما قد يكلّف الكثير على صعيد "السيادة"، لكنه يرسّخ الدور الأردني في السنوات الـ51 الأخيرة، أي منذ خسارة العرب حرب 1967، وهو "الدور الاستيعابي لكل الأزمات".